السيد محمد الصدر
412
تاريخ الغيبة الصغرى
العالم . . . وهو ما يصطلح عليه بالمبدأ في لغة العقائديين ، ايا كانت وجهته . فإذا كان للمبدإ قائد محنك قدير ، وكان له من المؤيدين والمخلصين ، المقدار الكافي لنشر دعوته ، ومن القواعد الشعبية المناصرة له المقدار الكافي أيضا . . . كتب لدعوته النجاح والتقدم لا محالة . وأقصى ما تحاول الدعوات في العالم جاهدة لايجاده ، هو إيجاد هذين الشرطين الأخيرين ، بعد فرض كونها دعوات مبدئية ذات قيادة . وقد كرس التخطيط الإلهي على تحقيقها أيضا ، بعد أن أصبحت الأطروحة العادلة الكاملة بميلاد المهدي ( ع ) دعوة ذات قيادة . وإن لم تستطع الدعوات إحراز هذه الشرائط ، وبخاصة الشرطين الأخيرين . . . كان ذلك سببا لتقهقرها وتقدم خصومها ومناوئيها . فاما أن تبقى في ميدان الجهاد والمجابهة حتى تفنى عن آخرها وتنقطع دعوتها بالمرة . وأما أن تأخذ بمسلك السرية والتكتم ومجاملة الناس . لأجل المحافظة على مبدئها وقواده . . . وهو المعنى الرئيسي للتقية ، كما أوضحنا فيما سبق . إذن فالتقية تقترن على طول الخط ، وفي جميع الدعوات في العالم ، مع قصور هذه الشرائط عن ضمان النجاح . . . كالمسلك الذي تطبقه الأحزاب المبدأية في العصور المتأخرة ، من السرية والكتمان . . . وكما أمر به الاسلام في العصر الذي لم تتحقق فيه هذه الشرائط بالنسبة إلى الأطروحة العادلة الكاملة ، وهو عصر ما قبل الظهور . وعلى أي حال ، فالدعوة الإلهية ، على طول الخط ، كانت تدور مدار وجود هذه الشرائط وعدمها . ويتجلى ذلك بكل وضوح ، في التاريخ الاسلامي . حيث نرى النبي ( ص ) كان ملتزما في أول دعوته بالسرية والتكتم أو « التقية » حينما لم يكن الشرطان الأخيران : الأنصار والمؤيدين متوفرين لديه . ولم يبدأ دعوته إلا بعد أن أحرز من محتوى الشرطين ما يكفي لضمان البقاء . ولم يبدأ بالحرب مع الأعداء ، في أول غزواته في بدر ، إلا عندما حصل على العدد الكافي من الناصرين المندفعين بالحرارة العاطفية الثورية ، التي قلنا أنها البديل عندهم عن الوعي والاخلاص الممحص ، لعدم توفر التمحيص الكافي بالنسبة إليهم .